الذهبي
891
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
قال عليّ بن خَشْرم : حدَّثني سَلَمة بن سُليمان قال : جاء رجل إلى ابن المبارك فسأله أن يقضي عنه دَيْنًا ، فكتب إلى وكيله ؛ فلما ورد عليه الكتاب قال الوكيل للرجل : كم دَيْنُك الذي سألت ؟ قال : سبع مائة درهم ، قال : فكتب إلى ابن المبارك : إنّ هذا سألك وفاء سبع مائة درهم ، وقد كتبتَ إلي بسبعة آلاف درهم ، وقد فَنِيَتِ الغلات . فكتب إليه عبد الله : إنْ كانت الغلات فنِيَتْ فإنّ العمر أيضًا قد فني ، فأَجْرِ له ما سبق به قلمي . وروى مثلها أبو الشيخ الحافظ قال : حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا علي بن محمد بن روح قال : سمعتُ المسيّب بن وضّاح قال : كنتُ عند ابن المبارك ، فكلّموه في رجلٍ عليه سبع مائة درهم ، فذكر الحكاية ، وفيها أنّ كاتبه لما راجَعه في ذلك أضعفَ السَّبعة آلاف . وفي حكاية أخرى أنّ ابن المبارك قضى عن شابٍّ عشرة آلاف درهم . قال الفتح بن شخرف : حدثنا عباس بن يزيد ، قال : حدثنا حِبّان بن موسى قال : عُوتب ابن المبارك فيما يفّرق من الأموال في البلدان ، ولا يفعل في مرو ؛ فقال : إني أعرف مكان قومٍ لهم فضل وصِدْق ، طلبوا الحديث فأحسنوا الطَّلَب ، يحتاج النّاس إليهم ، احتاجوا ، فإنّ تركتُهُم ضاع عِلْمهم ، وإنّ أعَنّاهم بثّوا العِلم ، ولا أعلم بعد النُّبُوَّة أفضل من بث العِلم . إبراهيم بن بشّار الخراساني : سمعتُ عليّ بن الفُضَيْلِ يقول : سمعتُ أبي يقول لابن المبارك : تأمرنا بالزهد والتقلل ، ونراك تأتي بالبضائع إلى البلد الحرام ، كيف ذا ؟ قال : إنّما أفعل ذلك لأصون به وجهي ، وأُكرم به عِرْضي ، وأستعين به على الطّاعة ، لا أرى لله حقًا إلا سارعتُ إليه ، فقال له أبي : ما أحسن ذا إنْ تمّ . وقال نُعَيم بن حمّاد : كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته ، فقيل له : ألا تستوحش ؟ فقال : كيف استوحش وأنا مع النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه . قَالَ عُبَيْد بن جنّاد : قال لي عطاء بن مسلم : رأيتَ ابن المبارك ؟ قلت : نعم ! قال : ما رأيت ، ولا ترى مثله . وقال عبيد بن جناد : سمعت العمري يقول : ما في دهرنا من يصلح لهذا الأمر إلا ابن المبارك .